ابن أبي الحديد

29

شرح نهج البلاغة

قال : وإنما هذا من موضوعات متعصبة الأموية ، فإن لهم من ينصرهم بلسانه ، وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف . وكذا القول في الحديث الاخر ، وهو قوله : ( القرن الذي أنا فيه ) ، ومما يدل على بطلانه إن القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا ، وهو أحد القرون التي ذكرها في النص ، وكان ذلك القرن هو القرن الذي قتل فيه الحسين ، وأوقع بالمدينة ، وحوصرت مكة ، ونقضت الكعبة ، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه والمنتصبون في منصب النبوة الخمور ، وارتكبوا الفجور ، كما جرى ليزيد بن معاوية وليزيد بن عاتكة وللوليد بن يزيد ، وأريقت الدماء الحرام ، وقتل المسلمون ، وسبى الحريم ، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار ، ونقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم ، وذلك في خلافة عبد الملك وإمرة الحجاج . وإذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرا كلها لا خير فيها ، ولا في رؤسائها وأمرائها ، والناس برؤوسائهم وأمرائهم ، والقرن خمسون سنة ، فكيف يصح هذا الخبر . قال : فأما ما ورد في القرآن من قوله تعالى : ( لقد رضى الله عن المؤمنين ) ( 1 ) . وقوله : ( محمد رسول الله والذين معه ) ( 2 ) . وقول النبي صلى الله عليه وآله إن الله اطلع على أهل بدر ، إن كان الخبر صحيحا فكله مشروط بسلامة العاقبة ، ولا يجوز أن يخبر الحكيم مكلفا غير معصوم بأنه لا عقاب عليه ، فليفعل ما شاء . قال هذا المتكلم : ومن أنصف وتأمل أحوال الصحابة وجدهم مثلنا ، يجوز عليهم ما يجوز علينا ، ولا فرق بيننا وبينهم إلا بالصحبة لا غير ، فإن لها منزلة وشرفا ،

--> ( 1 ) سورة الفتح 18 . ( 2 ) سورة الفتح 29 .